فخر الدين الرازي

452

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة . قال : في الموصوفين بها أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان . وروي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا : لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة ، والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل ، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان ، / وهذا الاستدلال ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق واللَّه أعلم . الصفة الثالثة : للمؤمنين قوله تعالى : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق اللَّه ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ الأحزاب : 12 ] ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه : أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي : أن الإنسان بحيث يصير لا يبقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على اللَّه . واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي : الوجل من عقاب اللَّه . والمرتبة الثانية : هي الانقياد لمقامات التكاليف للَّه . والمرتبة الثالثة : هي الانقطاع بالكلية عما سوى اللَّه ، والاعتماد بالكلية على فضل اللَّه ، بل الغنى بالكلية عما سوى اللَّه تعالى . والصفة الرابعة والخامسة : قوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة اللَّه ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه اللَّه ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقاً ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مراراً . واعلم أن اللَّه تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها أموراً ثلاثة : الأول : قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : حَقًّا بما ذا يتصل . فيه قولان : أحدهما : بقوله : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ أي هم